ما حكم من يعمل كوسيط/سمسار/وسيط تحويلات عملات بين طرفين، ثم يقوم بتأكيد المعاملة أو استلام الأموال قبل أن يغطي رصيده فعليا، أو يدخل في التزام لا يملك تغطيته وقت التنفيذ (يعتمد على التأخير أو على تغطية لاحقة).
ما حكم عمله وأرباحه (العمولة) في هذه الحالة؟ وهل يعد ذلك من الغرر أو من بيع ما لا يملك، أو من الوعد الملزم، أو يدخل في باب القرض الذي جر نفعا؟
نرجو توضيح الضوابط الشرعية المعتبرة، وما الحالات الجائزة وما الحالات المحرمة، حتى نتعامل على بينة. جزاكم الله خيرًا.
الإجابة:
توصيف هذه المعاملة شرعا؛ (فالحكم على الشيئ فرع عن تصوره):
المعاملة بصورتها هذه هي عقد صرف نسيئة (مُؤجل القبض) يقوم به وكيلٌ تعدّى حدود وكالته بالتزام مال لا يملكه وقت العقد.
لكن عندما يقوم بتأكيد المعاملة أو استلام المال وهو لا يملك التغطية ويعتمد على تغطية لاحقة، يتحول التوصيف من وكالة مشروعة إلى صرف (تحويل العملات) دون تقابض، ويؤكد ذلك تأكيد للمعاملة دون رصيد، وهذا هو عين ربا النسيئة.
وتشتمل أيضا على الغرر، لأن الوسيط يضمن للعميل مبلغاً (يؤكد المعاملة) بناءً على توقع الحصول على سيولة لاحقاً، وهذا التزام بما لا يُقدر على تسليمه حالاً، وهو نوع من الغرر المخاطر به.
وهي أيضا بيع الموصوف في الذمة قبل قبض ثمنه، فإذا اعتبرنا أن الوسيط يبيع العملة للعميل، فهو يبيع شيئاً غير موجود تحت يده ولا يملك ثمنه (التغطية) وقت العقد، وهو ما يعرف ببيع ما ليس عندك.
هذه المعاملة بتوصيفها هذا تحتوي على عدة مخالفات شرعية تجعلها تدخل في دائرة التحريم
لماذا؟؟
لأنها صرف دون قبض فوري، في تبادل العملات (البيع والشراء)، يُشترط شرعاً التقابض في مجلس العقد (أو ما يقوم مقامه حكماً كرسالة من البنك تفيد بالتحويل الفوري)، إذا قام الوسيط باستلام الأموال من الطرف الأول ولم يقم بتسليم الطرف الثاني فوراً (لعدم وجود رصيد وتأخره في التغطية)، فقد وقع في ربا النسيئة (تأخير القبض في الأموال الربوية)، وهو محرم بإجماع المجامع الفقهية.
لأنها بيع ما لايملك، فعندما يلتزم الوسيط بتحويل مبلغ أو تأكيد معاملة وهو لا يملك التغطية فعلياً وقت العقد فإنه قد وقع في بيع ما لا يملك، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك
وبها أيضا غرر لأن الوسيط يعتمد على تغطية لاحقة قد تحدث وقد لا تحدث، أو قد يتغير سعر الصرف، مما يجعل العقد مبنياً على جهالة في القدرة على التسليم.
وفي حال تأخر الوسيط في التغطية وتغير السعر، يقع في إشكال فقهي آخر وهو من يتحمل الفرق؟، فإذا تحمله العميل فهو ظلم، وإذا تحمله الوسيط دخل في مقامرة على السعر، وكل هذا يؤكد صحة النتيجة بوجوب التقابض الفوري.
وأيضا هي قرض جر نفعا لأن الوسيط إذا استلم الوسيط المال من العميل (أ) ليحوله للعميل (ب) وهو لا يملك الرصيد، ثم استخدم مال العميل (أ) لتغطية التزامات أخرى أو انتظر حتى تتوفر سيولة، هذا التصرف قد يُكيف شرعاً على أنه قرض (لأن المال دخل في ذمة الوسيط) والعمولة التي يأخذها قد تدخل في شبهة القرض الذي جر نفعاً،لأن الوسيط انتفع بالمال قبل تنفيذه للعملية.
والله تعالى أعلم.




