Skip to main content

لم يكن مصادفةً أن يُطلق على المشروع اسمًا إنجليزيًا. كاري أون – أي واصل، استمر – كأن في الاسم رسالة ضمنية لمن يُريد أن يسمعها الدولة ماضية في طريقها، والسوق عليه أن يتأقلم. لكن السؤال الذي لا يجيب عنه الاسم البراق ولا حفلات الافتتاح هو من الذي سيواصل فعلًا، ومن الذي سيُجبر على التوقف؟

قبل أن نحكم علينا أن نفهم. كاري أون في جوهره ليس اختراعًا، بل هو إعادة تأهيل وتوحيد لأكثر من ألف مجمع استهلاكي حكومي متهالك تتبع الشركة الغذائية القابضة للصناعات التابعة لوزارة التموين، تحت علامة تجارية موحدة ومتاجر مُحدَّثة. المصري العادي يعرف هذه المجمعات جيدًا؛ رفوف شبه خاوية، إضاءة باهتة، وطوابير يحفظ أصحابها أسماء بعضهم. الوعد الجديد هو تحويل هذه الصورة رأسًا على عقب.

لكن الوعد الجديد جاء محمّلًا بما هو أثقل من مجرد دهان جدران وترتيب رفوف. فمع إعلانه مشروعًا قوميًا وربطه بصرف السلع المدعومة وبطاقات التموين ونقاط الخبز، تحوّل كاري أون من مشروع تجاري إلى ورقة سياسية اقتصادية بامتياز. وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

ثمة تفصيلة لافتة لمن يتأملها المشروع يتبع رسميًا وزارة التموين عبر شركتها القابضة، لكن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة حضر في كل مراحل الإطلاق والافتتاح بثقل واضح دون أن يُحدَّد دوره بدقة. هل هو ممول؟ مشغّل؟ مورّد؟ أم أنه المحرك الفعلي وما سواه واجهة؟

هذا الغموض ليس تفصيلة إدارية عابرة. الجهاز الذي أُسِّس لأغراض التنمية توسّعت أذرعه التجارية خلال السنوات الأخيرة لتطال قطاعات متعددة من الاقتصاد المصري، وهو لا يخضع لرقابة ديوان المحاسبة بالصورة المعتادة ولا يُفصح عن ميزانياته وعقوده بشكل منتظم. حين يدخل كيان بهذه المواصفات إلى قطاع بحساسية الغذاء اليومي، يصبح السؤال عن الشفافية ليس ترفًا نقديًا بل ضرورة.

ومن يستعرض مسيرة السنوات الأخيرة يلاحظ نمطًا متكررًا بدقة مثيرة تنشأ أزمة في سلعة، تتدخل جهة عسكرية أو سيادية لـحل الأزمة، ثم تبقى هذه الجهة لاعبًا دائمًا في القطاع بعد أن تهدأ الأزمة أو لا تهدأ. الدواجن، السكر، الزيت، الأرز — كل ملف من هذه الملفات يحمل في طياته قصة شبيهة. كاري أون يبدو الآن إطارًا جامعًا لكل هذه القصص في منظومة واحدة مرئية.

المنطق الاقتصادي بين النظرية والواقع:

المصري لا يحتاج إلى إحصاء ليعرف أن الغذاء أصبح أزمة؛ يكفيه أن يقف أمام رف اللحوم أو يحسب ما تبقى من راتبه بعد سوق الخضار. في هذا الواقع المثقل، لا يمكن لمنصف أن يُنكر أن للمشروع منطقًا اقتصاديًا قابلًا للدفاع عنه؛ فكرة إيجاد منافس حكومي يكسر هوامش الربح المتضخمة في حلقات التوزيع ليست ضربًا من الخيال، وبعض الدول وظّفتها بنجاح حقيقي. لكن النجاح في تلك التجارب لم يكن منحةً بلا شروط، بل كان مشروطًا بشرط واحد صارم لا تهاون فيه هو أن يكون المنافس الحكومي منافسًا حقيقيًا يعمل وفق قواعد السوق ذاتها لا كيانًا ينافس بأدوات لا يملكها خصومه. وهنا يكمن الإشكال العميق في الحالة المصرية.

قدرة كاري أون على تقديم أسعار منخفضة تستند إلى أحد مسارين لا ثالث لهما إما كفاءة تشغيلية حقيقية تنبع من تحسين اللوجستيات وتقليل الهدر وضغط تكاليف الإمداد – وهذا مشروع ومستدام – وإما أن تكون مجرد وهم منظّم؛ دعم مُقنَّع تتكفّل به الموازنة العامة في الظلام، فيما تتصدر الواجهةَ صورةُ المنافسة الناجحة. تبيع الدولة بأقل مما أنفقت، وتطوي الفارق في دفاترها بعيدًا عن أي رقيب. وما يبدو للمستهلك مكسبًا في لحظة الشراء ليس في حقيقته سوى دَين مؤجّل، يدفعه اليوم من لا يعلم ويسدّده غدًا من لم يُستشَر. والأشد إيلامًا في كل ذلك أن غياب الشفافية المالية يجعل التمييز بين الكفاءة الحقيقية والسخاء المُموَّه مستحيلًا، حتى على المواطن الذي يُفترض أن المشروع وُجد من أجله.

والأخطر من ذلك أن الأسعار المنخفضة بشكل مصطنع، حتى لو بدت في صالح المستهلك على المدى القصير، تُؤدي على المدى المتوسط إلى ما يعرفه الاقتصاديون بـالإفقار التنافسي يفلس التاجر الصغير وتاجر التموين والموزع المستقل الذين لا يستطيعون منافسة سعر مدعوم، تتقلص الخيارات أمام المستهلك، ويجد نفسه في نهاية المطاف أمام مورد وحيد يُحدد السعر كما يشاء لأن لا أحد تبقى يمكنه العودة إليه.

تاجر التموين الإنسان الغائب عن المشهد:

في زحام الحديث عن الأسعار والمنافسة والكفاءة، ثمة إنسان يغيب عن المشهد الإعلامي تقريبًا تاجر التموين ذلك الرجل أو المرأة الذي يمتلك دكانًا صغيرًا في حي شعبي أو قرية، ويعتمد اعتمادًا جوهريًا على كونه وكيلًا لصرف سلع التموين المدعومة وفارق نقاط الخبز لتجار حيّه.

هذا الإنسان ليس مجرد رقم في إحصاء؛ هو محور شبكة اجتماعية واقتصادية دقيقة تمتد جذورها في الأحياء الشعبية والريف المصري. يُوظّف أبناءه، يشتري من الموردين المحليين، ويمنح الجيران ائتمانًا غير رسمي حين يضيق الحال. حصر صرف بطاقات التموين في فروع كاري أون يعني ببساطة نزع شريان الحياة الأساسي من هذه الشبكة دفعةً واحدة، وتوجيه تدفقاتها المالية نحو كيان مركزي واحد.

الأرقام هنا لا تُمسك بالحقيقة كاملةً؛ فليس الأمر فقط أن آلاف تاجر التموينين سيفقدون مصدر رزق، بل إن المجتمعات المحلية ستفقد شبكة خدمات غير رسمية بنتها على مدى عقود ولا يستطيع أي هايبر ماركت مهما بلغ حجمه أن يعوضها.

حين دخلت الدولة السوق:

العالم ليس بلا تجارب يُستفاد منها. حين نتجاوز البلاغة السياسية ونلجأ إلى السجل الاقتصادي المقارن تتضح الصورة بشكل أكثر حدة.

في كوريا الجنوبية خلال مراحل نموها الاقتصادي الكبرى، تدخلت الدولة بعمق في قطاعات استراتيجية لكنها فعلت ذلك عبر آلية واضحة دعم القطاع الخاص الوطني وتأهيله وحمايته مرحليًا لا إحلال القطاع الحكومي محله. الشركات الكورية الكبرى اليوم نتاج تلك الفلسفة.

في المغرب حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل حاد، لجأت الدولة إلى تدعيم صندوق المقاصة لدعم السلع مباشرةً في يد المستهلك دون أن تُنشئ منافذ توزيع حكومية موازية تُزاحم القطاع الخاص. الفلسفة كانت واضحة: اضبط السعر دون أن تمتلك الدكان. وحين ثبت لاحقًا أن هذا الدعم العام يستفيد منه الغني قبل الفقير، جرى إصلاحه نحو الدعم المباشر المستهدف عوضًا عن توسيع الحضور الحكومي في السوق. الدرس هنا ليس أن التدخل خطأ، بل أن أدواته تُحدد نتائجه؛ فالدولة التي تُصلح بالسياسة تختلف اختلافًا جوهريًا عن الدولة التي تُصلح بالسيطرة.

في تركيا لجأت البلديات في مراحل أزمة الغذاء إلى فتح أسواق مباشرة لكسر احتكارات الخضار والفاكهة. وكان نجاحها الرئيسي أنها ظلت موسمية ومحددة الهدف، ولم تسعَ لأن تُحل محل السوق الخاص بل لتصحيح اختلال موقت فيه ثم الانسحاب. التدخل المؤقت المحدد يختلف كليًا عن البنية الدائمة التي تُهدف إلى ابتلاع السوق.

أما التجربة الأكثر إيلامًا فهي فنزويلا التي بدأت برامجها الغذائية الحكومية بخطاب مشابه تمامًا الدولة تُحارب المحتكرين وتحمي الفقراء. وفي غضون سنوات قليلة، بعد أن أُجهز على القطاع الخاص بالتسعير الجبري والتدخل المباشر، تحوّلت وفرة البضاعة إلى شُح مزمن وطوابير ممتدة وسوق سوداء ازدهرت خلف الواجهة الرسمية. لم يخسر المستهلك الفنزويلي وحده، بل خسرت الدولة نفسها حين أدركت أن المنظومة الإنتاجية التي هدمتها لا تُعاد بناؤها بمرسوم.

الدرس المشترك في كل هذه التجارب واضح الدول التي نجحت في ضبط أسواق الغذاء لصالح مستهلكيها هي تلك التي عزّزت المنافسة ولم تلغها، وضبطت قواعد اللعبة دون أن تحتكر الملعب.

السؤال الذي لا تُجيب عنه الافتتاحيات:

حفلات الافتتاح لها منطقها الخاص الكاميرات والشرائط والخطب وصور الرفوف المرتبة. لكن الاقتصاد يُحاسَب بمعايير أخرى وعلى مدى زمني أطول.

المشروع يستحق أن يُطرح عليه بوضوح مجموعة من الأسئلة التي لم تُجَب عنها حتى الآن، ما هي التكلفة التشغيلية الحقيقية لكل فرع وكيف تُموَّل؟ هل ستُنشر قوائم مالية دورية مدققة؟ ما الدور الفعلي لجهاز مستقبل مصر وما طبيعة علاقته المالية بالمشروع؟ وما مصير تاجر التموينين الذين ستُسحب منهم حصة صرف البطاقات التموينية؟

في غياب إجابات شفافة عن هذه الأسئلة، يظل كاري أون معلقًا في منطقة الغموض بين مشروعين مشروع إصلاح اقتصادي حقيقي تحتاجه مصر فعلًا، ومشروع توسع مؤسسي جديد في اقتصاد تتضيق فيه مساحة القطاع الخاص رويدًا رويدًا.

والمفارقة الحادة أن المستهلك المصري الذي يفرح بالأسعار المنخفضة اليوم هو نفسه من سيدفع الثمن غدًا إن تحوّل كاري أون إلى احتكار جديد يرتدي ثياب الإصلاح. والأسواق لا تكذب على المدى البعيد، حتى حين تكذب السياسات على المدى القريب.

One Comment

  • يقول M. Zayed:

    كاري اون ، المتحدة للإعلام ؛ الوطنية للمشروعات ستجدها في النهاية مسميات مختلفة لجهة واحدة تتبع الجيش و الأجهزة السيادية ، و هي أجهزة جرت العادة ان تتدخل بصورة من يريد الإصلاح و هي في الحقيقة تتجاوز الرغبة في الربح الى إرادة التحكم و الاحتكار بشكل شديد القسوة و لا تعبأ بمن ستدوس في طريقها من أفراد أو حتى من القطاعات الانتاجية
    أما تاجر التموين فلا تخش عليه ستوظفه معها لأنها لن تستطيع ان تتمدد في كل مكان و ستكتفي بمشاركته رزقه و التقاسم معه
    و لا حول و لا قوة إلا بالله

Leave a Reply