Skip to main content

الساعة الرابعة عصراً اجتماع مجلس الإدارة بعد ساعة واحدة فقط. رنّ هاتف أحمد صوت مديره واضح وحاسم  الأرقام سيئة جداً هذا الربع. لا نستطيع عرضها هكذا على المجلس. عدّل المخصصات، أجّل بعض المصروفات، افعل أي شيء… لكن هذه الخسارة يجب أن تصغر.

أغلق أحمد الهاتف نظر إلى شاشة الحاسوب أمامه. الأرقام واضحة، صادقة، لكنها قاسية. يده على الفأرة، وفي ذهنه صدى آية لا تفارقه “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها”. هل يضغط؟

تذكر أحمد حينها قصة زميله القديم الذي خضع لضغط مماثل قبل ثلاث سنوات. فقط هذه المرة، قال له مديره وقتها، الوضع حرج والبنك ينتظر القوائم لتجديد القرض. فعلها زميله ثم صارت المرة الواحدة عادة كل ربع سنة، حتى انهار كل شيء وفُصل الزميل بينما نُقل المدير لمنصب أعلى في فرع آخر.

ليس أحمد وحده..

هذا المشهد يتكرر يومياً في مكاتب المحاسبين حول العالم، في الشركات الصغيرة والعملاقة على حد سواء. الإدارة تريد أرقاماً جميلة، أرباحاً مرتفعة لإرضاء المساهمين، أو ديوناً منخفضة لإقناع البنوك، أو إيرادات متضخمة لجذب المستثمرين. والمحاسب؟ يعرف الحقيقة، يراها واضحة في دفاتره، لكنه محاصر بين واجبه المهني ومن يوقّع على راتبه.

جمّل الخسارة قليلاً، أخفِ هذا القرض في بند آخر، عجّل بالاعتراف بهذا الإيراد ولو بأسبوعين، زد قيمة المخزون قليلاً لتحسين الأرباح. طلبات تبدو بسيطة، تعديلات فنية، حركات محاسبية ذكية. المدير يطمئنك هذا ليس كذباً فقط اختيار ذكي للسياسة المحاسبية المناسبة.

لكن خلف كل رقم معدّل هناك حقيقة مدفونة. مستثمر صغير باع محله التجاري واشترى أسهم الشركة بناءً على أرباح وهمية. دائن أقرض الشركة مليونين اعتماداً على ميزانية مزيفة. موظفون رهنوا مستقبلهم بالعمل في شركة تبدو قوية بينما هي تترنح نحو الإفلاس. والنبي ﷺ حذّر من هذا بوضوح”من غشنا فليس منا”.

الغش لا يقتصر على بائع يخلط الجيد بالرديء، بل يشمل كل من يقدم معلومات مضللة لمن يثق بها. والقوائم المالية هي أخطر أنواع المعلومات، لأن الناس يبنون عليها قرارات تحدد مصائرهم المالية.

لماذا ينحني البعض؟

لأن الراتب ليس بالقليل والالتزامات كثيرة، قسط المنزل، مصاريف الأطفال، أقساط السيارة. لكن لأن الترقية القادمة تعتمد على المرونة وروح الفريق وفهم ضغوط العمل. لأن الزملاء همسوا ” كلنا نسويها”، المعايير المحاسبية فيها مرونة، لا تكن ساذجاً ومتشدداً. لأن الصوت الداخلي الذي يقول هذا خطأ يصبح أخفت مع كل تنازل صغير حتى يختفي تماماً.

يبدأ الأمر ببند بسيط، تعديل صغير لن يضر أحداً ثم يكبر ويتوسع، حتى يجد المحاسب نفسه متورطاً في شبكة تلاعب لا يستطيع الخروج منها. تصبح لديه أسرار يخشى انكشافها، يتواطأ صمتاً مع زملاء آخرين، ويصير جزءاً من منظومة فساد لم يكن يتخيل أنه سيشارك فيها.

ينسى أن الله جعل الشهادة على الحق مسؤولية عظيمة لا تسقط بالضغوط”يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم.” المحاسب شاهد على الحقائق المالية، والقوائم التي يوقع عليها هي شهادته. فإذا زيّفها فقد شهد زوراً وشهادة الزور من أكبر الكبائر، حتى أن النبي ﷺ كررها ثلاثاً تأكيداً على خطورتها.

البعض يظن أنه ينفذ أوامر فقط، ناسياً أن المسؤولية لا تسقط بالأمر الإداري. الموظف الذي يوقع على قوائم مزيفة مسؤول عنها قانونياً وشرعياً، حتى لو كان تحت ضغط. التاريخ الإسلامي مليء بالنماذج، الصحابي الذي رفض تنفيذ أمر يخالف الشرع، والقاضي الذي استقال حين ضُغط عليه ليحكم بالباطل. إنما الطاعة في المعروف، كما قال النبي ﷺ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وعندما تنكشف الحقيقة – وهي تنكشف دائماً، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة – يدفع المحاسب الثمن، بينما ينجو من ضغط عليه بادعاء الجهل.

الثمن.. أغلى مما تظن..

خالد محاسب في شركة كبرى خضع لضغوط مديره لسنوات. عدّل الأرقام، جمّل القوائم، أخفى الخسائر، ضخّم الأرباح. في البداية كان يشعر بالذنب، ثم اعتاد، ثم أقنع نفسه أن الجميع يفعلها. استمر الحال ثلاث سنوات كاملة، حتى جاء تغيير مفاجئ في الإدارة العليا، وطلب المجلس الجديد تدقيقاً شاملاً بمدققين خارجيين مستقلين.

اكتُشف التلاعب. فُصل خالد فوراً، وحُوسب قانونياً. أما المدير الذي ضغط عليه؟ ادعى أنه لم يكن يعلم وأن المحاسب تصرف من تلقاء نفسه بدون علمه. لم تكن هناك أدلة مكتوبة على الضغط، فكل الأوامر كانت شفهية، في مكالمات واجتماعات مغلقة. خالد الآن يواجه السجن، وسمعته المهنية دُمّرت بالكامل، ولا شركة محترمة ستوظفه بعد اليوم. أما أسوأ من كل هذا فهو ضميره الذي لا يتركه ينام، يتذكر الآن حديث النبي ﷺ” إنما الطاعة في المعروف”، ويندم لأنه أطاع في المنكر.

وماذا عن شركة إنرون الأمريكية العملاقة؟ كانت سابع أكبر شركة في أمريكا، قيمتها السوقية مليارات الدولار، ويعمل فيها 20 ألف موظف. انهارت في أسابيع عندما اكتُشف أن محاسبيها ومدققيها شاركوا في أكبر عملية تلاعب مالي في التاريخ. مليارات تبخرت، آلاف فقدوا وظائفهم ومعاشاتهم التقاعدية، ومحاسبون ومدققون ذهبوا للسجن لسنوات طويلة. كل ذلك لأن أرقاماً عُدّلت قليلاً، وأرباحاً وهمية سُجّلت، وديوناً ضخمة أُخفيت في كيانات خارجية.

أما الثمن الشرعي فهو أثقل وأبقى من أي عقوبة دنيوية. أنت لست مجرد موظف عدّل رقماً في جدول، بل شريك في أكل أموال الناس بالباطل. مستثمرون أبرياء – ربما أرملة أو يتيم أو عامل بسيط – بنوا قراراتهم على أرقامك المزيفة فخسروا مدخراتهم. “لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل” – والتلاعب بالقوائم المالية هو بوابة واسعة لأكل المال بالباطل.

الأمانة التي حُملتَ خُنت. والله سائلك عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم تُعرض الأعمال ولا يُخفى منها شيء”فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.”

فماذا يفعل المحاسب الشريف؟

عندما جاء الضغط على سعيد محاسب في شركة متوسطة، رفض بهدوء وحزم. لم يرفع صوته، ولم يدخل في جدال عقيم. قال لمديره بوضوح هذا التعديل يخالف المعايير المحاسبية، وسيعرّض الشركة لمشاكل قانونية مع هيئة السوق المالية، وسيعرّضني شخصياً للمساءلة. أنا مستعد لمساعدتك في إيجاد حلول مشروعة لتحسين الوضع المالي، لكن لا يمكنني تزوير الأرقام.

كان يتذكر قول الله تعالى “ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه”. وثّق المحادثة في إيميل رسمي بأسلوب مهني محترم، يوضح فيه المخاطر القانونية والمهنية لما طُلب منه.

استمر الضغط فصعّد سعيد الأمر داخلياً. طلب اجتماعاً مع لجنة المراجعة في مجلس الإدارة، وعرض عليهم الموقف بموضوعية تامة، مع الأدلة الموثقة. النتيجة؟ لجنة المراجعة فتحت تحقيقاً داخلياً، اكتشفت محاولات تلاعب أخرى في أقسام مختلفة، وشكرت سعيداً رسمياً على أمانته ويقظته المهنية. أما المدير الذي ضغط عليه، ففُصل.

بعد ستة أشهر عُين سعيد مديراً مالياً للشركة، لأن مجلس الإدارة أدرك أن الأمانة والنزاهة أثمن من المرونة المشبوهة. تذكّر سعيد حينها ” من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه”. ترك سعيد الخضوع للضغط خوفاً من الله، فعوضه الله بما هو خير، منصب أعلى وسمعة مهنية لا تُقدّر بثمن وراحة ضمير لا تُشترى.

الخيارات واضحة أمام كل محاسب، ارفض بأدب واشرح المخاطر القانونية والمهنية، واقترح بدائل مشروعة تحقق الهدف دون تزوير. إذا استمر الضغط وثّق كل شيء كتابياً، واطلب رأياً خارجياً من المدقق الخارجي أو من هيئة المحاسبين أو من الجهة الرقابية. وإذا لم يُجدِ كل ذلك، ووجدت نفسك محاصراً بين الخضوع للباطل أو فقدان الوظيفة، فتذكّر “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.

الاستقالة بكرامة ونزاهة خير من البقاء بخيانة وإثم. الرزق بيد الله، والوظائف كثيرة، لكن الضمير والسمعة والدين إذا خسرتها فلن تعوضها بأي راتب.

أنت لست مجرد محاسب:

أنت حارس حقوق الناس. الأرملة التي استثمرت مدخرات زوجها الراحل في أسهم الشركة تثق بأرقامك لتطمئن أن أموالها في أيدٍ أمينة. التاجر الصغير الذي أقرض الشركة مليوناً من رأس ماله، يعتمد على قوائمك ليعرف أن الشركة قادرة على السداد. الموظف الشاب الذي رهن مستقبله بالعمل في هذه الشركة ينظر لميزانيتك ليطمئن أن راتبه مضمون. كلهم يثقون بك… وأنت الأمين على هذه الثقة.

والأمانة في الإسلام ليست مجرد كلمة تُقال أو شعار يُرفع، بل مسؤولية عظيمة ومقدسة. يقول النبي ﷺ في حديث طويل عن علامات الساعة “إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة”. وعندما سُئل كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال”إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. “فما بالك بمن ائتُمن فخان؟ بمن وُضعت في يده أمانة فضيّعها وزيّفها؟

قد تكلفك الأمانة وظيفة وقد تخسر ترقية وقد تمر بضيق مالي مؤقت. لكن خيانة الأمانة تكلفك دينك وآخرتك وسمعتك وحريتك وراحة بالك.

قد يُفصل أحمد غداً وقد يجد صعوبة في إيجاد وظيفة جديدة، لكنه نام تلك الليلة مرتاح الضمير، يعلم أنه لم يكن شريكاً في ظلم أحد، ويتذكر قول الله تعالى”ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب”.

أمانتك ليست لمديرك الذي يدفع راتبك، بل لكل من يعتمد على الأرقام التي توقع عليها. فهل تؤديها كما أمر الله؟