كان عبد الله يقف كل صباح لدقائق قليلة عند نافذة مكتبه في الطابق العاشر، يراقب موقف السيارات أسفل مبنى مجموعة شركاته. ليس حباً في السيارات، بل لأنه تعلم أن كل شيء يحكي قصة.
اليوم لاحظ شيئاً مختلفاً: سيارة المدير المالي لفرع جدة متوقفة في زاوية بعيدة، بدلاً من مكانها المعتاد قرب المدخل الرئيسي. لماذا يخفي نفسه؟ تساءل.
نزل للطابق السادس حيث يقع مكتب فرع جدة. تحية عادية، قهوة سريعة، نظرة خاطفة على المكاتب. الجميع يعمل بشكل طبيعي، لكن شيئاً ما كان مختلفاً في عيون المدير المالي. نظرة من يحمل سراً ثقيلاً.
كيف حال المشروع الجديد؟ سأل بعفوية.
ممتاز والحمد لله، كل شيء يسير وفق الخطة.
لكن عبد الله لاحظ كيف تجنب المدير النظر في عينيه أثناء الإجابة. وكيف انشغل فجأة بترتيب أوراق لا تحتاج ترتيباً.
في طريق عودته للمصعد، التقى بأحد كبار المحاسبين. كيف الأمور معك يا أبو طارق؟
الحمد لله… بس هو… توقف وابتسم ابتسامة متكلفة، لا شيء، كله تمام.
هذا بس هو علق في ذهن عبد الله طوال اليوم.
في المساء، اتصل بمدير فرع الرياض: خالد، أريد منك تحويل مبلغ 500 ألف ريال لفرع جدة غداً صباحاً، لحساب المشروع الجديد.
حاضر يا أستاذ، بس… أما كان المبلغ يوصلهم نهاية الشهر؟
لا، أريده غداً.
صباح اليوم التالي، اتصل مدير فرع جدة مبكراً: أستاذ عبد الله، شكراً على التحويل السريع، بس إحنا مش محتاجين المبلغ الآن…
أعرف. أريدك في مكتبي خلال ساعة.
جلس عبد الله في مكتبه ينتظر. لم يفتح ملفات، لم يراجع تقارير، لم يطلب كشوفات حسابات. كان يثق في غريزته أكثر من الأرقام أحياناً.
دخل المدير المالي وجهه شاحب..
أهلاً أستاذ…
اجلس. أريد أن أسألك سؤالاً واحداً فقط، وأريد إجابة صادقة.
صمت طويل.
أين المشكلة بالضبط؟
انهار المدير: العميل الكبير… ألغى نصف العقد. المبلغ اللي كنا نتوقعه… توقف وبدأ يتنهد، مش موجود. واحنا التزمنا مع مقاولين بناء على العقد الأصلي.
منذ متى تعرف هذا؟
أسبوعين… كنت أحاول أجد حل قبل ما أقولك.
نظر عبد الله من النافذة للموقف أسفل المبنى. رأى سيارات الموظفين مصطفة في مكانها الطبيعي، الحياة تسير كعادتها. لكنه رأى أيضاً السيارة المتوقفة في الزاوية البعيدة أمس، والعيون المتجنبة، وبس هو التي لم تكتمل.
الآن نحن نعرف. الآن يمكننا أن نجد حلاً حقيقياً.
وضع يده على كتف المدير: أعرف أنك كنت تحاول تحمي الجميع. لكن أحياناً… الشجاعة في الصدق أهم من الشجاعة في الكتمان.
فتح ملف مشاريع المجموعة الأخرى: عندنا خيارات… وعندنا وقت للتفكير، لأننا عرفنا المشكلة مبكراً.
المدير نظر له بدهشة: كيف عرفت؟
ابتسم عبد الله: أربعون سنة في التجارة… علمتني أن الناس تتكلم بأشياء أكثر من الكلمات.




