الجيل الرقمي والمال: تحدي القرن الحادي والعشرين
بقلم د. علي شيخون
لكل عصر فتنته المالية الخاصة لكن فتنة هذا العصر تتميز بخاصية لم تعرفها العصور السابقة السرعة المطلقة، كان الإنسان قديماً بحاجة إلى مسافة بين رغبته في الشراء وتحقيقها؛ يخرج إلى السوق يحمل نقوداً يشعر بثقلها في يده ويقطع وقتاً يتيح له أن يتردد أو يعيد التفكير. أما اليوم فهذه المسافة بأكملها قد اختفت، أصبح الشراء نقرة واحدة والدفع رقماً يمر دون أن يلمسه أحد، والرغبة تتحول إلى فعل في أقل من ثانية.
التحدي الحقيقي الذي يواجهه الجيل الرقمي ليس نقصاً في معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمال فهذه المعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى إنما التحدي أن هذا الجيل يعيش داخل بيئة مصممة هندسياً لتجاوز التفكير والتأمل قبل اتخاذ القرار المالي، وهذا يستدعي منا أن نفهم ملامح هذا التحدي أولاً قبل أن نبني له حصانة تستمد قوتها من الإيمان والوعي معاً.
واختفى الحاجز
في الاقتصاد التقليدي كانت آلام الدفع جزءاً من عملية الشراء نفسها، وكانت تعمل كرادع طبيعي أمام التبذير. أما في الاقتصاد الرقمي فقد صُممت التجارب بعناية لإزالة هذا الألم تماماً فالبطاقة محفوظة مسبقاً والشراء بضغطة واحدة، والعروض المؤقتة التي تخلق إحساساً مزيفاً بالاستعجال، تضاف إلى ذلك خوارزميات وسائل التواصل التي تُغذي شعوراً دائماً بالمقارنة والنقص، فيتحول التسوق من تلبية حاجة إلى محاولة لمجاراة نمط حياة يُعرض على الشاشة باستمرار.
ويتجاوز الأمر المجاراة إلى التعويض؛ فالكثيرون يلجأون إلى الشراء كمسكن سريع لمشاعر القلق أو الفراغ أو الإحباط فيشتري الشخص ما لا يحتاجه ليرفع به مزاجه المؤقت، وتسمي علم النفس هذه الظاهرة بـالعلاج بالتجزئة وهي مسكن لحظي يتبعه ندم أشد لأنها تعالج الشعور لا سببه، وتُعمق مشكلة المال بدل أن تحلها.
هذا الغياب المتعمد للمسافة بين الرغبة والفعل هو ما يفسر لماذا يحذر القرآن من التبذير بوصفه قريناً للشيطان لا مجرد خطأ في التخطيط: “وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ” (الإسراء: 26-27). والشيطان كما تصف الآية هذه وظيفته، يعمل تماماً بهذه الطريقة يُغري بالفعل قبل أن يتسع المجال للتفكير فيه.
الإسراف بنقرة واحدة
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في سلوك الشراء الرقمي فالتطبيقات تخزّن بيانات الدفع لتختصر الخطوات، والإشعارات الفورية تُذكّر المستخدم بعروض “لفترة محدودة”، والتسوق نفسه يتحول إلى نشاط استهلاكي للوقت الفائض، يُمارَس من الملل أكثر مما يُمارَس من الحاجة.
ومن أخطر مظاهر هذا النمط ما يمكن تسميته النزيف الصامت: الاشتراكات الشهرية المتراكمة والرسوم الصغيرة المتكررة والمشتريات داخل الألعاب والتطبيقات، وكلها مبالغ ضئيلة في ذاتها لكنها تتجمع شهراً بعد شهر دون أن يشعر بها صاحبها لأنها لا تمر بتجربة الدفع الواعية التي تنبه الذهن، وهذا بالضبط ما يجعل المحاسبة الدورية للنفقات الرقمية ضرورة.
فخ الدَّين السهل
من أخطر التطورات في هذا السياق انتشار خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً” التي حولت الدين من قرار جاد يُتخذ بعد تفكير إلى مجرد خيار إضافي عند الدفع يُختار بنفس خفة اختيار طريقة الشحن، هذا التطبيع للدين يُغيّب عن الشباب حقيقة أنهم يلتزمون بمبلغ مستقبلي، وقد لا ينتبهون إلى أن بعض هذه الخدمات تتضمن رسوم تأخير أو فوائد مقنّعة تستوجب فحصاً دقيقاً لبنود العقد قبل القبول حتى لا يقع المرء في ربا لم يقصده.
علّمنا النبي ﷺ أن نستعيذ بالله من سيطرة الدَّين على حياتنا إذ كان يدعو: “اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّين وقهر الرجال” (البخاري)، ووصف غلبة الدّين دقيق جداً فالدّين لا يبدأ مهيمناً وإنما يتسلل في صورة تسهيلات صغيرة متكررة حتى يصبح هو المتحكم في القرارات بدل أن يكون أداة مدروسة محدودة الاستخدام.
من الاستثمار إلى المقامرة
انتشرت في السنوات الأخيرة تطبيقات رقمية متنوعة تُقدّم نفسها بوصفها استثماراً أو تداولاً سواء في الأسهم أو العملات أو حتى في صور أحدث كالمراهنات الرياضية المقنّعة بلغة التحليل والتنبؤ بالنتائج. والمشترك بين هذه التطبيقات جميعاً بصرف النظر عن واجهتها، أنها صُمّمت بمنطق اللعبة لا بمنطق القرار المالي الهادئ: الأرقام تتحرك أمام عينيك كل لحظة، والإشعارات تستدرجك للمتابعة المستمرة حتى في أوقات عملك أو نومك، وبعضها يتيح لك أن تراهن بمال أكبر من الذي تملكه فعلاً فتتضخم الأرباح أو الخسائر بسرعة تشبه إثارة لعبة القمار أكثر مما تشبه قراراً مالياً مدروساً.
وهنا تبرز ظاهرة لا تقل خطورة عن المال نفسه وهي أن هذه التطبيقات أدوات إدمان سلوكي صُممت بإتقان لاستغلال نقاط الضعف النفسية للمستخدم. فالإشعارات المتتالية والألوان الجذابة والمكافآت المتقطعة ولوحات المتصدرين وعدّادات الأيام، كلها أدوات تُستخدم في تصميم الألعاب الإلكترونية، وقد استعارتها تطبيقات التداول والرهان والشراء الرقمي لتحويل المستخدم من متخذ قرار إلى مدمن سلوك. وتعترف منظمة الصحة العالمية رسمياً بـاضطراب الألعاب الرقمية وسلوك المقامرة القهري كاضطرابات نفسية، حيث يغدو الشخص عاجزاً عن التحكم في اندفاعه نحو التطبيق حتى لو أدرك ضرره على ماله وعلاقاته وصحته النفسية. وهذا يجعل المعركة التي يخوضها الشاب اليوم معركة ضد خوارزميات تُنافس عقله وإرادته، وتُعيد تشكيل دوائر المكافأة في دماغه بما يشبه ما تفعله المواد المسببة للإدمان.
والفارق الحقيقي بين الاستثمار والمقامرة في طريقة اتخاذ القرار نفسها وليس في اسم التطبيق أو نوع الأداة، هل تضع مالك في شيء تفهمه بعد تفكير وصبر وتعرف لماذا قد تزيد قيمته مستقبلاً؟ أم أنك فقط تراهن على رقم سيتحرك صعوداً أو نزولاً أو على نتيجة لا تملك فيها معرفة حقيقية ولا قدرة على التحكم؟ بهذا المعيار يمكن لأي شخص أن يفحص أي عرض يصله، سواء كان استثماراً في عملة جديدة، أو تحليلاً لمباراة رياضية أو مسابقة تطبيق تَعِد بربح سريع مقابل اشتراك بسيط.
وقد حذّر القرآن من الميسر وهو كل صورة من صور القمار والمراهنة قديمها وحديثها وجعله رجساً من عمل الشيطان: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (المائدة: 90). والآية لم تخصّص شكلاً معيناً من أشكال القمار وإنما وصفت حقيقته التي هي مال يُؤخذ ويُعطى بناءً على حظ أو رهان لا على عمل أو قيمة حقيقية، وهذا ما يجعل التحريم شاملاً لكل صورة جديدة تلبس لبوس اللعب أو التحدي أو التحليل ما دام جوهرها رهاناً على نتيجة مجهولة.
ولهذا فإن أي عرض رقمي جديد سواء قُدّم بلغة الاستثمار أو الرياضة أو التحدي يمكن أن يُقاس بميزان هل هي قيمة حقيقية يمكن فهمها وتقييمها أم رهان على حظ مغلّف بمصطلحات عصرية؟ أما الأدوات المستحدثة التي لا يزال حكمها محل اجتهاد بين أهل العلم المعاصرين، كبعض صور العملات الرقمية فالأحوط لغير المتخصص أن يسأل من يعرف قبل أن يضع ماله فيها لا أن يعتمد على ما يسوّقه التطبيق لنفسه.
بناء الحصانة المالية الرقمية
مواجهة هذا التحدي لا تكون بمقاومة التقنية لكن بإعادة بناء المسافة التي أزالتها عمداً، ويبدأ ذلك بخطوات عملية بسيطة كتمثلة في تأجيل أي قرار شراء غير ضروري لمدة يوم أو يومين قبل تنفيذه، فصل حسابات التصفح عن وسائل الدفع المفعّلة تلقائياً، وتفعيل تنبيهات تُظهر مجموع النفقات الأسبوعية بدل تركها مبعثرة في إشعارات متفرقة.
ثم تأتي خطوة أعمق هي المحاسبة الدورية للنفس، وهي ليست مجرد عادة تنظيمية بل تدريب على معنى أخروي حقيقي. أخبرنا النبي ﷺ أن العبد يُسأل يوم القيامة عن ماله بسؤال محدد دقيق: “لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه” (الترمذي). من يتدرب على مراجعة نفقاته أسبوعياً في هذه الدنيا إنما يتدرب عملياً على إجابة هذا السؤال قبل أن يُسأله.
وأخيراً لا تكفي الإجراءات التقنية وحدها دون حصانة داخلية، وهذه الحصانة اسمها القناعة. قال النبي ﷺ: “ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس” (البخاري ومسلم). فمن ربط شعوره بالكفاية بما يملك فعلاً لا بما تعرضه له الخوارزميات من حياة الآخرين، صار أقدر على مواجهة أي تصميم تسويقي، بصرف النظر عن مدى ذكائه.
دور الأسرة والمجتمع
لا يمكن لأي فرد مهما بلغ وعيه أن يواجه هذا التحدي بمفرده في بيئة مصممة بهذا الإحكام، والأسرة مدعوة إلى نمذجة سلوك مالي رقمي صحي أمام الأبناء قبل أن تطالبهم به، وإلى فتح حوار صريح حول المشتريات الرقمية والديون بدل تركها موضوعاً للحرج والسرية، والمؤسسات التربوية والمساجد مدعوة بدورها إلى تقديم برامج التربية المالية الرقمية بلغة هذا الجيل ومن خلال وسائله نفسها وليس بمحاضرات تقليدية منفصلة عن واقعه اليومي.
وفي النهاية فالعالم الرقمي ليس شراً محضاً في ذاته؛ فهو ذاته الذي يسهّل اليوم إخراج الزكاة بضغطة زر، ويتيح متابعة الموازنة الشخصية بدقة لم تكن متاحة من قبل، ويفتح فرص استثمار حلال حقيقية لمن يبحث عنها بجدية، التحدي الحقيقي ليس في الأداة إنما في القلب الذي يستخدمها، فمن ربط نفسه بالقناعة وتدرّب على المحاسبة واستحضر أنه سيُسأل عن كل دينار اكتسبه وأنفقه صار قادراً على أن يُمسك بالتقنية أداة في يده لا سوطاً يُساق به.




